محمد الحضيكي

602

طبقات الحضيكي

وكانت طريقة الشيخ أبي محمد صعبة لا يثبت لها أحد من أصحابه ثبوت أبي [ 470 ] المحاسن . / ومما اتفق له من ذلك ، أنه لما سمع بزواجه وخاف أن تأخذ المرأة ببعض قلبه ، فأتاه أيام العرس ، وأنزله في بيت الزفاف ، مزين مفرش مطيب على العادة عند النكاح ، فقال لهم : ائتوني بحطب أصطلي ، فأتوه به ، فجعل يوقد النار في بيت العرس ، وهو يصطلي ، والفراش والبيت والأثاث يتدخن ويتوسخ ، وهو ينظر إلى أبي المحاسن هل يتأثر بذلك أو لا ، وأبو المحاسن فرح مسرور لم يتكدر . ثم قال له : سر معي ، فسار معه ، وذلك في أيام العرس إلى أن وصل منزله ، فتركه ببيت ، وسلط عليه الحمى ، إذا [ لحقه ] أبرد لم يجد ما يتغطى به إلا بردعة هناك ، فيتغطى بها ، فإذا ذهب أزالها . فبقي كذلك أربعين يوما ، ويأتيه في خلال ذلك ، ويقول : إذا طاح العالم اقرأ السلام ؛ أي إذا لم يثبت هو للامتحان لم يثبت أحد ، لأنه كان المشار إليه في أصحابه ، والمنتظر لوراثة حاله . هكذا حتى استكمل الأربعين يوما جاءه ، فقال له : قم فاذهب إلى من لم يشبع ، فقام بخدمة الشيخ بنفسه وماله حتى فني ما بيده ، وكان مالا جليلا من تجارة أبيه ، ولم يبق بيده إلا دار سكناه ، فعرضها للبيع ، فمنعه الشيخ من يبيعها . ولما قرب أجل أبي محمد قدم القصر ، فتلقاه أصحابه وفيهم أبو المحاسن ، قال لهم في المجلس : أنا أردت أن أزور السلطان ، ثم إنا لنشتري القدور كثيرا وتنكسر ، فقالوا : لا يليق بك إلا قدر النحاس وكسكس نحاس ، فقال لهم : وكم ثمن ذلك ؟ فقالوا : خمسين أوقية ، فقال : هل فيكم من يعطي ذلك ؟ أي خمسين أوقية ، فسكت القوم كلهم . قال أبو المحاسن : فوقع في نفسي أن الشيخ قرب أجله ، وأنه أراد أن يوجه مدده إلى أحد من أصحابه ليقوم خليفة من بعده ، وأن ذلك موقوف على الخمسين أوقية ، فقلت : [ يسر ] ب من يعطي ذلك من أصحابنا ليعمر المكان ، ونستظل تحته كما كنا نستظل تحت [ 471 ] الشيخ ، ولم يكن إذ ذاك / عندي درهم . فأعاد عليهم القول ، فلم يجبه أحد ، ثم ثالثا ، فلم يملك نفسه أن قال : يا سيدي ، أنا آتيك بها ، فقال له : أو تفعل ذلك ؟ قال : نعم ، فقال له : قم الآن ، فقال لهم : أسرجوا له فرسي ، ثم قال : أنا أسرجه ، فقام فأسرجه ، فجاء أبو المحاسن ليركب ، فقاموا ليمسكوا له الركاب ، فقال لهم الشيخ : أنا أمسكه له ، فأمسكه فاستحيى أبو المحاسن ، فعزم عليه ،

--> ( أ ) ن ، ع : أخذه . ( ب ) كذا في الأصل . وفي بقية النسخ : له .